

شهدت رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين السبع (FSJES-AS) بالدار البيضاء، يوم الخميس 26 مارس 2026، انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الأول حول “التحولات الدولية نحو إعادة تأسيس نظام عالمي جديد”.
جاء هذا الحدث العلمي البارز ثمرة تعاون استراتيجي بين ثلاثة أطراف أكاديمية وازنة: كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين السبع (التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء)، ومختبر بحوث الذكاء الاستراتيجي والتدبير القانوني، ومعهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية (SMSI).
سياق متوتر وبحث عن أجوبة استشرافية
يأتي تنظيم هذا المؤتمر في ظل مرحلة دقيقة يمر بها العالم، تتسم بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، وصعود أقطاب جديدة، واشتداد التنافس حول الموارد والريادة التكنولوجية. ولقد ركّز المنظمون على جعل هذا الملتقى فضاءً لتقديم قراءات علمية موضوعية تسهم في فهم موقع إفريقيا والمغرب في خضم هذه التحولات المتسارعة، وتأثير الأزمات الراهنة (كالحرب في قطاع غزة وأوكرانيا) على بنية القانون الدولي.
المداخلات والمنصات الرئيسية: تكامل الأبعاد السياسية، الاقتصادية والقانونية
تميز المؤتمر بجلسة افتتاحية تلتها نقاشات عميقة وزعت على لوحات علمية (Panels) كبرى:
الجلسة الافتتاحية واللوحة التأطيرية
بعد الكلمات الترحيبية والمؤسساتية للجهات المنظمة (عمادة الكلية، وإدارة المختبر، واللجنة التنظيمية والمعهد)، افتتح البروفيسور ميشيل روش (من جامعة كيبك في شيكوتيمي بكندا) النقاش الساخن بورقة تمحورت حول “أزمة النظام الدولي: الأسباب والتداعيات”، ممهداً الطريق لقراءة أعمق لجذور الخلل في النظام العالمي الأحادي والتحول نحو التعددية القطبية.
اللوحة الأولى: التنافس الجيوسياسي وتحديات السيادة المعاصرة
أدارت هذه اللوحة البروفيسورات كريمة رقوبة وعزيزة مأهيل، وشهدت مداخلات غنية قاربت الموضوع من زوايا متعددة:
- الأمن والحكامة: تمت مناقشة صمود النظام الليبرالي أمام التنافس الجيوسياسي (البروفيسور فايزة قبي).
- تدبير الموارد البشرية: طُرحت رؤية حول تدويل نماذج حكامة الموارد البشرية نحو نموذج عابر للقارات أكثر مرونة (البروفيسور بشرى بالموفق).
- أزمة القانون الدولي: جرى تفكيك أزمة القوانين الدولية في ظل الصراعات المعاصرة بالشرق الأوسط وأوكرانيا (البروفيسور المختار تبي تبي والبروفيسور أمين مستقيم).
- السيادة وإنتاج المعرفة: تناول البروفيسور يونس بنان (رئيس معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية) مفهوم “السيادة المتعددة في مواجهة النظام العالمي الجديد”، بينما ناقش البروفيسور إبراهيم مدب تحديات تدويل الجامعات ونقل المعرفة عبر الحدود.
اللوحة الثانية: الاقتصاد الرقمي والاستدامة الطاقية
ركزت هذه الجلسة (بإدارة الأساتذة طارق كسباوي وعبد الواحد حيدودي) على أثر التحول الرقمي والطاقي على نماذج الأعمال:
- جرى تحليل واقع وآفاق الاقتصاد المغربي في مواجهة الاضطرابات العالمية (البروفيسور أنس الطاسولي).
- نوقشت نماذج التسويق المستدام والتجارة الرقمية في ظل الانتقال الطاقي (البروفيسور سلوى لادراع، والبروفيسور السعيد عمار، والبروفيسور عزيزة مأهيل).
- تم تسليط الضوء على حماية المستهلك وحقوق الشغل في عصر الذكاء الاصطناعي (البروفيسور كريمة رقوبة والبروفيسور ابتسام بلحداد).
مشتل الباحثين الشباب: ورشات دكتوراه موازية
لم يغفل المؤتمر الجانب الأكاديمي التكويني، حيث خصص 4 ورشات دكتوراه متوازية، قدم خلالها الباحثون الشباب أوراقاً بحثية هامة تلامس إشكالات معاصرة:
- الحوكمة الرقمية والقانون: ناقشت أوراق الطلاب التحول الرقمي لعلاقات الشغل، والعملات المشفرة وسلطة النقد، والذكاء الاصطناعي وحقوق الملكية الفكرية.
- العقود الذكية والـ Blockchain: ركزت الورشة الثانية على البعد القانوني لعقود الخوارزميات والمسؤولية القانونية للشركات الرقمية.
- الموارد الاستراتيجية والبيئة: تمحورت الأبحاث حول “جيوسياسية الماء” وأزمة المناخ، ودور الذكاء الاصطناعي والشركات التكنولوجية الناشئة (Unicorns) في النظام الجديد.
- التدبير والمنظمات: عولجت قضايا حديثة مثل “المالية السلوكية”، وجذب وتدبير مواهب “الجيل Z”، والعدالة الاجتماعية والتكوين داخل المؤسسات السجنية لإعادة الإدماج.
خلاصة وتوصيات
اختتم المؤتمر أعماله بالتأكيد على أن صياغة ملامح “النظام العالمي الجديد” لا يجب أن تنفرد بها القوى التقليدية، بل إن للجامعات ومراكز البحث في دول الجنوب، ولا سيما في المغرب وإفريقيا، دوراً جسيماً في إنتاج المعرفة الاستراتيجية واقتراح نماذج حكامة مرنة ومستدامة. وقد خرج المؤتمر بتوصيات دعت إلى تعزيز السيادة الرقمية، ودعم الابتكار والذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، ووضع حماية البيئة والأمن المائي كأولويات قصوى في السياسات العامة المستقبلية للبلاد.
